محمد بن جعفر الكتاني
352
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
ثم إنه خرج من فاس قاصدا لوطنه ؛ فلما انفصل عنها بنحو نصف مرحلة ؛ خرج عليه اللصوص وعلى رفقته ، واستلبوا ما عندهم ؛ فرجع لفاس . فقال له عم أبيه العارف : « هذه إشارة لك في استيطان فاس وعدم الخروج منها ! » . فعمل بتلك الإشارة ، وتزوج بفاس ، ملازما لعم أبيه المذكور ، مقتبسا من أنواره ، معتمدا عليه في طريق القوم ، ومتصدرا لبث العلم ونشره بها ؛ فانشقت في المغرب أسراره ، وانفلقت بالعلم والعرفان أنواره ، وشاع في شاسع الآفاق خبره ، وتناقل حديثه الركبان وتواتر لديهم أثره ، وتنافس في الراوية والأخذ عنه الأئمة الكبار ، وأعملوا الرحلة إليه من بعيد الأقطار ، ووقع الإطباق من مشايخ عصره على تبحره في علمي الباطن والظاهر ، وأنه الحجة في ذلك والإمام في ذلك العصر الغابر ، فلا تجد عالما أو متعلما بإفريقية والمغرب إلا وهو من تلامذته أو تلامذتهم . وأما أهل فاس ؛ فكان لهم فيه اعتقاد عظيم ، ومحبة صادقة ، من عامتهم وخاصتهم ، حتى كان بعضهم يقول : « إنه عند أهل فاس كالحسن البصري عند أهل البصرة » . وكان - رضي اللّه عنه - من كبار العلماء الأفاضل ، والصلحاء الأخيار الأماثل ، ممن قاد المعالي بالزمام ، وحوى الفضائل والفواضل بالتمام ؛ ملجأ للخاصة والعامة في عويص مسائلهم الدينية والدنيوية ، تنفصل المجالس عن قوله ، ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، قوالا للحق يواجه به الكبراء والملوك ، قد أعطي قوة على التلطف في توصيل ذلك وإبلاغه على أجمل صورة حتى تنفعل له النفوس . وكان زاهدا في الدنيا معرضا عنها كل الإعراض ، لا يأكل الأحباس ، ولا يلتفت إلى ما في أيدي الناس ، بل كان يعرض عليه التجار العطايا الجزيلة فلا يقبلها ، ولا يتقوت إلا من النساخة ينسخ البخاري كثيرا وغيره ، فيبيعه ويأكل ثمنه ، وكان الناس يرغبون في النسخ التي تكون بخط يده للبركة والإتقان . ولما تولى الشريف الرشيد - رحمه اللّه ، وهو حينئذ كبير السن - أراد أن يمده بشيء من الدنيا ؛ فبلغه ذلك ؛ فقال : « قولوا له يشغل نفسه بغيري ، فالذي رزقني من المهد إلى أن ابيضت لحيتي هو يرزقني » . وكان كثير الأذكار ، مواظبا على قراءة القرآن ، لا يكاد يفتر لسانه من الذكر والتلاوة ، وله همة عالية [ 310 ] في قيام الليل ، لا يدعه إلا لضرر . وله كرامات : منها ما أخبر به جمع من الحجاج المجاورين للحرمين الشريفين من حضوره للصلوات الخمس في المسجد الحرام بمكة أو بمسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وحكى بعض الثقات أنه : رآه يطوف بالبيت جهارا . قال : « وكنت معرضا عنه ؛ فجاء وأخذ بمنكبي ، فصرفت وجهي إليه ؛